الجنيد البغدادي
160
رسائل الجنيد
إلى بيانه ، ويظن الجاهل إذا سمعه أنه قد أصاب وهو في عمياء مظلمة عند الخطاب يكون في دعواه وحقيقة الحق تدفعه ويوهم بوصفه السامع في القصد إلى ما يقع الفهم به في النفاد فيما أمر به والترك لما نهى عنه ، وذلك بعض حق العلم على من حمله ، فمتى اقتضيت لنفسك نفع « 1 » العلم لها قبل إعطائك منها ، حق ما للعلم واجب احتجب عنك نفحه ونوره وبقي عليك رسمه وظهوره وذلك حجة للعلم عليك وإن كان رسمه ظاهر لديك فاحذر أيها الرجل الذي قد لبس من العلم ظاهر حليته ، ظاهر لديك ، وأومئ المشيرون إليه بجميل لبسته وقصر عن العمل « 2 » بمحض حقيقته ما وقعت به الإشارة إليك ، وانبسطت به الألسن من الثناء عليك ، فإن ذلك حتف لمن هذه الصفة صفته وحجة من اللّه تعالى عليه في عاقبته ، فلما سمع العالم من الحكيم ما نطق به وقرع سمعه بيان ما شرحه له أطرق مفكرا ثم انتحب بعد الفكرة باكيا ، فطال بكاؤه وعلا نحيبه واشتد اضطرابه فأقبل عليه عند ذلك الحكيم فقال له : الآن حين بدت شمس الحكمة تطلع عليك وواضح نورها يصل إليك ، وعند ذلك تنجلي عنك ظلمات ما أعرضت عنه من علمك وأغفلته من موانع العلل لفهمك وإني أؤمل بذلك صلاح ما أفسدته والتلافي لحفظ ما ضيعته ، فلما سمع العالم إقبال الحكيم عليه بذلك سكن من اضطرابه وهدئ من شدة بكائه ثم أقبل على الحكيم فقال : زدني من دوائك هذا فقد لاوم جرحي ، وقويت الأطماع في الوقوع لحجتي فخلصني « 3 » بلطيف حيلتك ورفيق حكمتك من وبال ما أنت أعلم بما كمن منه في سري واستتر عني من خفي هوى الشر فقد انطوى عني في سالف الأوقات الماضية خفي مستبطنات كانت في السرائر كامنة وكشفت لي عنها بجميل نعتك وأوقفتني على ما بطن منها بلطيف رفقك . قال له الحكيم : تحمد اللّه أبدا فيما أنعم به عليك من اطلاعه إياك على ذلك وإيقافه لك على مواضع خللك ، فكن بالذلة « 4 » بين يديه خاضعا وافتقر إليه بالاستنكانة والخضوع ضارعا فإنك تلفاه لخفي ( لا تخفى ) مناجاتك له سامعا وإنك إذا كنت كذلك كان لك إليه شافعا ، واعلم مع
--> ( 1 ) في ط : يقع . ( 2 ) في ط : العلم . ( 3 ) فتخلصني . ( 4 ) في ط : بالذل .